محمد طاهر الكردي

332

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

ولا يغرب عن فكره السامي أن علماء البكتريولوجيا ذهبوا إلى أن الماء هو أكبر موصل للعدوى ، وخصوصا في وباء الكلوليرا ، نسأله تعالى السلامة لعباده . ويوم الوقوف هو التاسع من ذي الحجة مع قليل من ليلة العاشر باتفاق المسلمين ، فإذا ثبت هذا اليوم عند القاضي بالصفة الشرعية ، وقف جميع المسلمين على اختلافهم في الجنسيات والمذاهب ، من غير أن يكون للشك تأثير عليهم ، إلّا الشيعة من الأعجام ، فإنهم لو حصل عندهم أدنى شك في رؤية هلال ذي الججة ، بمعنى أنه لم يشاهده منهم الجم الغفير ، وقفوا يوم التاسع والعاشر احتياطا . وفي عرفة ترى الناس مشتغلين كل بشأنه ، وهم وإن انفصلوا في هياكلهم ، فإن قلوبهم مرتبطة ارتباط ذرات الجسم الواحد ببعضها ، وبعد صلاة العصر يتحرك المحملان بحرسهما إلى منحدر جبل الرحمة ، وينهض خطيب عرفة ( وهو في الغالب قاضي مكة الذي يتعين من قبل السلطان ) فيصعد بناقته من طريق حلزوني إلى صخرة في صدر هذا الجبل ، ويخطب نيابة عن خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطبة يعلم الناس مناسك الحج ، ويكثر فيها من الدعاء والتلبية ، ومن دونه مبلغون ، بأيديهم مناديل يشيرون بها في كل تلبية إلى الواقفين دون الصخرة ، فيقول الكل : « لبيك اللهم لبيك » بصوت يكاد يصعد بالأحشاء إلى عنان السماء ، فيا لها من ساعة ترى الناس فيها قد تجردوا بالمرة عن أنفسهم ، فلا يكادون يشعرون بما يحيط بهم من معالم الحياة ، وقد تغلّب وجدانهم على وجودهم ، وظهرت روحانيتهم على جسمانيتهم ، حتى كأنهم في لباسهم الأبيض الطاهر النقي ، ملائكة للّه في هذا الوادي ، الذي يردد أصواتهم وابتهالاتهم إلى واجب الوجود ، إلى الملك المعبود ، إلى الواحد الأحد الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ، فإذا تراجع إليهم صدى هذا الصوت ، أحدث في نفوسهم هزة ، تدق لها قلوبهم ، وتضطرب منها أفئدتهم ، خشية من رب الأرباب ومالك الرقاب ، هنالك تسوخ النفوس في ظروفها ، وتنكمش الجسوم على هياكلها ، من رهبوت هذا الملكوت ، وحشاشات القلوب تتصبب من آماق عيونهم أسفا على ما اقترفوه من ذنوب وعيوب ، وتتلاحق الأرواح إلى التعلق بأستار رحموت رحمانها ، تائبة مستغفرة ضارعة إليه تعالى بقبولها في ساحة غفرانه ، مؤملة في عظيم كرمه وإحسانه ، ولا تلبث أن تتراجع ، وهي على يقين